"قوة لبنان في ضعفه" حمت "حزب الله" فماذا لو أطاحها؟
المشاريع الشمولية مستحيلة في البلدان الصغيرة ولا أحد أكبر من بلده فكيف إن تصرّف كـ "جالية أجنبية"؟
يمكن لتنظيم أيديولوجيّ شموليّ جماهيري مسلّح مثل "حزب الله" أن يدير بلداً أكبر مئة مرّة من لبنان غير أنّه لا يستطيع أن يدير بلداً بحجم لبنان. لقد وضع هذا الحزب الإصبع على الجرح حين أعترف بأنّ حجمه أكبر من لبنان: إنّه غير متناسب مع الأوزان والمقاييس اللبنانيّة. المشروع الذي يطرحه غير قابل للتطبيق في البلدان الصغيرة.
كل الحركات الشموليّة تجد صعوبة بالغة في السيطرة على البلدان الصغيرة، وتجد سهولة منقطعة النظير أحياناً في السيطرة على البلدان الأكبر. في النهاية، إمّا أن تتكيّف هذه الحركات مع الواقع الوطنيّ وتبتعد عن شموليّتها فتتصالح مع المؤسسات التقليديّة وتدرك أنّ حجمها الزائد بشكل مفرط هو إعاقة ينبغي مداراتها، وإمّا أن تنسف الحركات الشموليّة الواقع الوطنيّ بمؤسساته التقليديّة ونسيجه الأهليّ مدفوعة بسلوك تقديسي ـ وثني لآلة العنف والقتل، فتفرض هذه الحركات منطق الحرب الأهليّة ويجيء واقع الحرب الأهليّة مستنزفاً بالضرورة لهذه الحركات. في كل الحالات، يصعب، بل يستحيل، على الحركات الشمولية فرض هيمنة مستقرّة على البلدان الصغيرة.
في اللحظة التي تفصح فيها الحركات الشمولية في البلدان الصغيرة عن رغبة دفينة في "ابتلاع" أو "إدارة" وطنها تكون قد وصلت إلى الطريق المسدود: لو كانت موجودة في بلدان أكبر لربّما تيسّرت المهمّة، لكنها في بلد صغير ما يجعل الهيمنة عليه أصعب. يثير وعي هذه المعادلة نقمة الحركات الشمولية وسخطها. تجد نفسها في إنفصام عن الواقع الوطنيّ. هي "نبيلة" و"بطولية" والواقع "فاسد" و"جبان".
أمام هذه المعادلة، تجد الحركات الشموليّة في البلدان الصغيرة حاجة إلى التفكير الإمبراطوريّ. الحاجة للإيحاء بأنّها تشكيلات طليعيّة لإمبراطوريّة أكبر. ليست هذه سابقة "حزب اللهية". في الثلاثينيات، كانت كل الأحزاب الشيوعية والفاشية في البلدان الصغيرة تقدّم نفسها على أنّها تشكيلات طليعيّة لمنظومات إمبراطوريّة، الإتحاد السوفياتيّ والرايخ الرابع. ولم تتمكن أيّ من من هذه الأحزاب من الوصول إلى الحكم، أو كان عليها أن تتكيّف مع المؤسسات التقليديّة. أمّا سيطرة المنظومات الشموليّة على البلدان الصغيرة فلم تكن مؤمّنة إلا بالغزو الخارجيّ. فقط حين اجتاحت القوات الألمانية عموم القارة الأوروبية، أمكن للتنظيمات الفاشية في البلدان الصغيرة أن تأخذ "مجدها". وكذلك حال الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية، التي لم تستطع الوصول إلى السلطة إلا متفيئة بالإجتياح السوفياتيّ لبلدانها.
في البلدان الكبيرة، يمكن أن تصل الحركات الشموليّة إلى الحكم ولو بواسطة الإنتخابات، وفي إطار المؤسسات الدستوريّة بادئ ذي بدء، والنموذج هنا هو وصول الحزب النازي إلى السلطة في ألمانيا عام 1933، أو يمكن أن تصل الحركات الشموليّة إلى الحكم بواسطة تحوير لثورة جماهيريّة وهذا حال الحزب البلشفي في روسيا عام 1917، أو بمزيج من الزحف الشعبيّ وانحياز المؤسسات التقليدية، وهذا حال الفاشية الإيطاليّة. أمّا في البلدان الصغيرة فلا يمكن للحركات الشموليّة أن تصل إلى الحكم إلا بواسطة غزو خارجيّ. يستحيل عليها تكرار النماذج البلشفية أو الفاشية الإيطالية أو النازية الألمانية.
وفي البلدان الصغيرة، قد تكون الإنقلابات العسكرية سهلة وقد لا تكون، أما الحركات الشموليّة فإن مشروعها يظلّ مستحيلاً، ما لم يحدث الغزو الخارجيّ.
وإلى أن يحدث، تعيش الحركات الشموليّة على أمل ملاقاة هذا الغزو، ويصير تصرّفها في بلدانها "أجنبياً" بشكل تام، ولا تمنعها جماهيريتها أو إتساع الدائرة الديموغرافية التي تتماهى معها من التحوّل إلى ما يشبه "الجالية الأجنبية".
بل قد يبلغ التقدير الزائد للذات ببعض هذه الحركات إلى التماهي مع الغزو المنتظر، فتصير هذه الحركات تهدّد بأن تغزو بلدانها، وتستخدم لذلك مفردات لا يستخدمها إلا الغزاة والفاتحون بوجه البلدان التي ينوون الإنقضاض عليها. هنا أيضاً قدّم "حزب الله" النموذج التطبيقيّ مؤخّراً بقول زعيمه انّ لبنان الـ10452 كلم مربّع لن يعصى عليه. الزعيم نفسه كان استخدم شعار "لبنان الـ 10452 كلم مربّع" قبيل انتخابات 2005. في الحالتين هو يؤكّد أنّ الحركات الشموليّة التي يمكنها أن تسيطر بعملية أمنية واحدة على بلدان بمساحات شاسعة لا يمكنها القيام بالشيء نفسه في البلدان الصغيرة.
أما تمجيد 7 أيّار بعد عام ونيف عليه، فلم يؤد إلا مهمّة رمزية واحدة: الإنتقال من الإحتجاج على تهمة "غزو بيروت" إلى التباهي بالعزم على "غزو لبنان". الحلم بـ"غزو لبنان" هو نتيجة العجز عن الإستيلاء عليه دستورياً أو إنقلابياً.
في البلدان الصغيرة، يكون صغر المساحة مكوّناً أساسيّاً من الشخصية الوطنيّة، ويكون كل استخفاف بذلك تعريضاً أجنبياً بهذه الشخصية الوطنيّة. في البلدان الصغيرة يصحّ تماماً قول الرئيس الشهيد رفيق الحريري أنّ "ما من أحد أكبر من بلده". من يحسب نفسه اكبر من بلده يمكن أن يحكم غيره، لكنه لا يستطيع أن يحكم لبنان. وهذه مشكلة لا يستطيع تجاوزها.
الـ10452 كلم2 عصيّة حكماً، لأنّها لا يمكن أن تكون موحّدة تحت القبضة "الشموليّة"، ولا يمكنها في حال تلاشي أو انهيار هذه القبضة إلا أن تعود موحّدة.
فهل ما زال بإمكان "حزب الله" التنبه إلى هذه المحدّدات التكوينية اللبنانيّة قبل فوات الأوان؟ كل إمبراطوريّات الأرض لن تحلّ له مفارقة أن حجمه الزائد غير متناسب مع البلد. على العكس تماماً ستزيد من هذه المشكلة. إذا كان ايجاد حلّ لمسألة "حزب الله" هو مشكلة مستعصية على اللبنانيين، فإن إيجاد حلّ شامل للبنانيين هو مشكلة مستعصية على "حزب الله". فهذا الحزب الذي ما زال يخوض حرباً أيديولوجية ضد مقولة "قوة لبنان في ضعفه" ينسى أنّ قوّته يستمدّها أيضاً من ضعف لبنان هذا. لقد احتمى هذا الحزب مطوّلاً بالضعف اللبنانيّ. احتمى هذا الحزب مطوّلاً بكل ما يناقضه في الطبيعة: احتمى بالنظام الإقتصاديّ الحرّ والتعدّدية الطائفية اللبنانيّة وبأيديولوجيا فرادة لبنان. كانت تلك هي عناصر الحماية الأساسية لـ"حزب الله". يخطئ هذا الحزب إن أعتقد أنّ الوقت قد حان لإسقاط هذه الحجب، وإحلال "وزارة التخطيط" و"الدائرة الواحدة" و"العنجهية الإمبراطورية" مكان الإقتصاد الحرّ والتعدّدية الطائفية والفرادة اللبنانيّة. إنّه بذلك يتطوّع لضرب العناصر التكوينية اللبنانية الحامية له موضوعيّاً. فقوة "حزب الله" مستمدّة من كون "قوة لبنان في ضعفه" وعندما لا تعود "قوة لبنان في ضعفه" لا تعود لـ"حزب الله" قوة.
وسام سعادة
المستقبل
آخر ما عرض:
- واشنطن تدرج "كتائب حزب الله" العراقية على لائحة الإرهاب
- «حزب الله» والرأي الآخر
- خامنئي يندد مجددا بالتدخل الخارجي والإصلاحيون يطالبون باستفتاء
- هذه علامات الهزيمة.. وقد يكون الحل في خمس كونفيدراليات
- إيران.. خطأ المرشد بعشرة
- انقلاب خامنئي
- مأمون فندي اعتبر أن نظام ولاية الفقيه في طهران لا يمكنه الاستمرار دون "تصدير الثورة"
- وليد جنبلاط و"دَبْش العروبة"!!
- «حزب الله»: لا يمكن لأحد إلغاء الانتصار بالفتنة
- "غاد المالح" : نحو ثقافة أحادية أو تقويض للحريات؟
- حسن نصر الله يطل من "المنار: شائعة تسميمي: حرب نفسية
- عنوان جديد لرفض المحكمة: "الحكم بغير ما أنزل الله"!
- فوز نجاد و«الرد» الآتي من طهران
- «نجاح» أحمدي نجاد ينقل إيران إلى اليمين المتطرف
- منظر «الجهاد» المصري: بلغ الاستهتار إلى حد أن وضع أحد قادة حماس نظرية اتخاذ الشعب دروعا بشرية
- ممنوع في طهران، مسموح في.. لبنان!!
- نجل مرجع إيراني: أحمدي نجاد "يهودي" غير اسمه ليخفي حقيقة جذوره
- الجمهورية الإسلامية: عقل استراتيجي أكبر من المرشحين والميول التكتيكية والأفكار الجزئية
- نصرالله يعلن 7 أيار "يوما مجيدا من ايام المقاومة" ويهدد به مجددا اذا تكررت "حماقة 5 أيار"
- عندما يصبح شعار «المقاومة» غطاء للاختراقات الإيرانية!




