مواجهة الجيش وآل جعفر تضع قواعد "حزب الله" في خطر
يواجه "حزب الله" معضلة حقيقية في محافظة البقاع بفعل تداعيات الجريمة التي أودت بحياة أربعة عسكريين الاثنين الماضي، على يد مسلحين من آل جعفر، إذ وجد نفسه واقعاً بين طرفين يعجز عن مواجهتهما أو الانحياز إلى أحدهما، من دون أن يخسر من رصيده وهيبته.
سارع الحزب إلى إدانة الجريمة، ولم يكن بوسعه ألا يفعل، كما دانت الجريمة أيضاً عشيرة القتلة، ولم يكن بوسعها هي أيضاً إلا أن تدين، وسط إجماع وطني شامل على الإدانة والاستنكار.
بعد ذلك بدأت المشكلة الفعلية لـ"حزب الله" بالظهور، فهو لا يستطيع تغطية آل جعفر كما كان يفعل دائماً، ولا يستطيع أيضاً أن يتسامح مع الجيش الذاهب بقوة إلى سحق مواقع الإجرام والإرهاب في تلك المنطقة، التي يصادف أنها منطقة نفوذ "حزب الله"، وخزانه الاستراتيجي، أرضاً وشعباً.
في الأيام التي تلت الجريمة سجلت المعطيات الآتية:
أولاً: أجرت قيادة الجيش في البقاع اتصالات مع مسؤولي الحزب هناك لإبلاغهم ببدء حملة مداهمات وتفتيش واسعة بحثاً عن القتلة وكل المطلوبين للقضاء اللبناني، الذين يقدر عددهم بالآلاف، فرفض مسؤولو الحزب في البقاع "إعطاء الإذن"، ما أدى الى ارتفاع الاتصالات إلى مستوى القيادتين المركزيتين للجيش وللحزب، الذي اضطر للموافقة على شروط المؤسسة العسكرية.
ثانياً: مع توسع أعمال المداهمات، وانتقال قوى عسكرية كبيرة إلى مناطق الجرد، حيث يوجد عدد من القواعد العسكرية الضخمة، ومعسكرات التدريب، ثار غضب "حزب الله"، وحاول مراراً الاتصال بقيادة الجيش لثنيها عن المتابعة، وحصر عمليتها في مدينة بعلبك (حي الشراونة)، والمناطق المحيطة، لكن القيادة رفضت وضع أي خطوط حمر أمام قواتها، ولكنها تعهدت في المقابل، عدم المس بمواقع المقاومة.
ثالثاً: قدم "حزب الله" معلومات مذهلة للجيش عن القوات التسليحية الموجودة لدى آل جعفر والعشائر الحليفة لهم، وكشف عن امتلاك هؤلاء لأسلحة رشاشة وصاروخية متوسطة وثقيلة، وعدد من دبابات "تي 54"، موروثة من حركة "فتح" (تركتها في العام 1982 خلال الاجتياح الإسرائيلي)، كما كشف عن وجود مئات المقاتلين التابعين للعشائر، وكلهم من المطلوبين للعدالة، وهو ما يعرف بجيش "الطفار".
رابعاً: اكتشفت قيادة الجيش أثناء العملية أن مواقع "الطفار" في الجرود، لا تتضارب مع مواقع "حزب الله" العسكرية، واستنتجت أن ثمة اتفاقاً بين الطرفين على "التعايش" عسكرياً في منطقة واحدة، وخصوصاً أنها منطقة شاسعة، وأكثر من ذلك فإن هناك طرقاً ودروباً يسلكها الطرفان بشكل مشترك.
خامساً: أثار موقف "حزب الله" من الحادث، وطريقته في التعاطي مع قيادة الجيش، التباساً في صفوف العشائر، ففي البداية تفهمت بيان الإدانة لأنه رفع عتب، ولكنها استهجنت سماح الحزب للجيش بالهجوم على معاقل المجرمين، ثم تحول الاستهجان إلى غضب عندما وصل الهجوم إلى الجرود وفشل "حزب الله" في منع استمراره.
سادساً: التقى وفد من مجلس عشائر بعلبك-الهرمل بالقيادة العليا لـ"حزب الله" وحذرها من أن استمرار الجيش في عملياته العسكرية، سيعرض هذه العشائر لنكسة كبيرة، خصوصاً مع ورود معلومات عن استخدام الجيش لسلاح الجو قريباً لدك بعض المواقع المستعصية، وإذا حصل ذلك فإن العشائر ستسحب، ومن دون تردد دعمها ومبايعتها لأي طرف سياسي يغطي هذا الهجوم أو يتقاعس عن وقفه.
سابعاً: فهم "حزب الله" الرسالة جيداً وأدرك أن سكوته سيعرضه لخسارة مزدوجة، فمن جهة سيكشف مواقعه العسكرية، ومن جهة ثانية سيخسر عشرات آلاف الأصوات من العشائر في الانتخابات الوشيكة، وحتى لو فاز في معركة دائرة بعلبك-الهرمل، فإن هذا التمرد العشائري انتخابياً، سيؤسس لحالة جديدة تكسر الاحتكار المطلق الذي كان يفرضه الحزب على المنطقة.
ثامناً: بدأ "حزب الله" أول من أمس مساعٍ حثيثة بدعم من حليفته حركة "أمل"، لإيجاد مخرج يرضي الطرفين، ويحاول إقناع آل جعفر بتسليم القتلة أو بعضهم، إلى السلطات المختصة مع وعد بمحاكمة عادلة لهم، ويحاول إقناع قيادة الجيش بفرملة هجومها لعله ينجح في مسعاه.
واعتبر مصدر بقاعي مطلع أن مهمة الحزب ستكون عسيرة، سيما وأن طرفي النزاع يعتبران نفسيهما محقين في هذه المعركة، فآل جعفر يعتبرون أنهم ثأروا لاثنين منهم قُتلا "ظلماً"، والجيش يرفض التراجع لأن هيبته على المحك، عدا عن أنه يرفض تسوية تؤدي إلى تسليم أشخاص ليسوا المجرمين الحقيقيين، ليتم إخلاؤهم بعد فترة وجيزة.




